facebook twetter Google+ اللغة الفرنسية

استفزازات البوليساريو في الكركارات هدفها افشال خط الغاز بين المغرب و نيجيريا

حديث مع الدكتور سعيد الصديقي

1- كيف تقرأ تطورات الوضع في الكركرات؟

تشكل المنطقة التي تركها المغرب جنوب وشرق الجدار الرملي الذي شيده في النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي حصى في حذاء المغرب، بعدما أصبحت البوليساريو تقوم بتفسير لمنطوق الاتفاق العسكري رقم (1) بعيدا عن السياق الذي صيغ فيه لإنشاء وقائع جديدة على الأرض. فبعد تنامي التهريب والنشاط التجاري غير النظامي في منطقة الكركرات التي تسمى أيضا (قندهار)، قامت القوات المغربية بتجاوز الجدار الرملي لإنهاء هذه الأنشطة، وأيضا لتعبيد طريق في منطقة الكركرات. رغم أن الاتفاق العسكري رقم (1) اعتبر المنطقة التي توجد جنوب وشرق الجدار الرملي وقطرها 5 كلم منطقة عازلة، مما يفهم منه ضمنيا أن المغرب أيضا لا يحق له تجاوز الجدار، ويحظر على قواته الدخول إلى المنطقة العازلة، لكن إذا استحضرنا السياق الذي صيغت فيه بنود هذا الاتفاق العسكري، وأيضا الضرورة الأمنية والتجارية الحيوية، وإعمالا لمبدإ حسن النية فيمكن تفهم التدخل المغربي لاسيما وأنه لم يحدث تغييرا في الوضع العسكري القائم بعد انسحابه لاحقا من هذه المنطقة. لكن يبدو أن جبهة البوليساريو استغلت هذا التحرك المغربي، وتحاول الآن أن تفرض وضعا جديدا بإدامة وجودها في المنطقة العازلة، وهذا ما يهدد تجاوز الاتفاقات العسكرية التي عقدها المينورسو مع كل من المغرب والبوليساريو لتحديد آليات إطلاق النار وعلى رأسها الاتفاق العسكري رقم (1)

2- بالاستناد إلى الاتفاقات العسكرية التي تنظم الوضع شرق وغرب الجدار الرملي، هل يمكن القول إن البوليساريو تستغل ثغرات معينة في الاتفاق العسكري؟

عندما شيّد المغرب الجدار الرملي ترك من جانب واحد منطقة عازلة بينه وبين كل من موريتانيا والجزائر، وكان الهدف منها مراقبة تحرك عناصر البوليساريو، وعدم التوغل في التراب الجزائري والموريتاني إذا قامت القوات المغربية بمطاردة عناصر البوليساريو. وتجدر الإشارة إلى أن الأمم المتحدة في تقاريرها وقراراتها تُميز بشكل واضح بين الحدود الدولية وجدار الصحراء. وبعد بدأ مسلسل التسوية السلمية، عقد الطرفان مع المينوريسو ثلاثة اتفاقات عسكرية، وكان أهمها الاتفاق العسكري رقم (1) الذي قسم إقليم الصحراء إلى خمس مناطق وهي: منطقة عازلة واحدة قطرها خمس كلم جنوب وشرق الجدار الرملي. ومنطقتين محظورتين قطر كل واحدة منهما ثلاثين كلم على طول الجدار الرملي، وتدخل المنطقة العازلة ضمن هذه المنطقة بالنسبة للبوليساريو، كما يدخل الجدار أيضا ضمن هذه المنطقة بالنسبة للقوات المسلحة المغربية. ومنطقتين للحظر المحدود، هي منطقة واسعة حيث تشمل المناطق التي تلي مباشرة المنطقة المحظورة على ضفتي الجدار الرملي. ويحدد هذا الاتفاق أنواع الأنشطة العسكرية الممنوعة في هذه المناطق.

ورغم أن الاتفاق العسكري رقم (1) لا يمنع مبدئيا الأنشطة السياسية في المنطقتين المحظورتين، وحتى الأنشطة العسكرية العادية في منطقة الحظر المحدود، إلا أن الطريقة التي تستغل بها جبهة البوليساريو هذا الهامش الوارد في الاتفاق تمثل خرقا واضحا لمبدأ حسن النوايا، وأيضا لمبدأ الحفاظ على الأوضاع القائمة. لاسيما أن المغرب كان يسيطر عسكريا على كل إقليم الصحراء عند توقيع هذا الاتفاق ولم يكن هناك أي وجود ثابت للبوليساريو، ويبدو أنه وافق على هذا الاتفاق دون أن يتوقع أن يُستغل لاحقا من قبل البوليساريو. لذلك لا أرى أنه من الملائم تكييف سلوك البوليساريو وفق التفسير الضيق لمقتضيات هذا الاتفاق، بل لا بد من استحضار السياق الذي صيغ فيه، وأيضا مبدأ حسن النية في تطبيق مثل هذه الاتفاقات

3- بما أن الاتفاق العسكري هو بين الأمم المتحدة والبوليساريو، فهل تتفق على أن حلّ الإشكال يقع على الأمم المتحدة؟

بدون شك فالأمم المتحدة هي الراعية لمهمة حفظ السلام في المنطقة، ويقع على عاتقها الإشراف على تطبيق هذه الاتفاقات العسكرية بحسن نية، لاسيما الاتفاق العسكري رقم (1) الذي يعتبر الآلية القانونية الأساسية لمراقبة وقف إطلاق النار من قبل الأمم المتحدة. ومادام هذا الاتفاق لم يكن بين المغرب والبوليساريو، بل عقدته بعثة المينورسو مع الطرفين بشكل منفصل، حيث وقعته في دجنبر 1997 ويناير 1998 مع كل من القوات المسلحة الملكية المغربية والقوات المسلحة لجبهة البوليساريو على التوالي، فإن مسؤولية رعاية تنفيذه تقع بشكل مباشر على بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، وهي التي ينبغي أن تجد حلا للمشكلة، وتضغط على البوليساريو للرجوع إلى مواقعها السابقة. لذلك أرى الكثير من الوجاهة في الآراء التي تقول حاليا بأن انسحاب المغرب من منطقة الكركرات جعل البوليساريو في مواجهة مباشرة مع منظمة الأمم المتحدة

4- إذا لم تنجح الأمم المتحدة في فرض حل على البوليساريو، باحترام الاتفاق، فما الخيارات الممكنة أمام المغرب؟

أهم شيء للمغرب في هذه المرحلة هو ضمان حركة النقل عبر هذه المنطقة، وقد لا يلجأ إلى الخيارات العسكرية حتى وإن بقيت عناصر البوليساريو في هذه المنطقة لبعض الأشهر، وذلك لاعتبارات كثيرة، وأهمها: أولا ليس من مصلحة المغرب أن يكون طرفا مباشرا في أي تصعيد عسكري في المنطقة لاسيما وأنه حديث العهد بالانضمام إلى الاتحاد الافريقي، وثانيا أن المغرب دخل في مشاريع اقتصادية كبيرة مع الدول الإفريقية تفرض عليه العمل على إعادة الوضع القائم إلى ما كان عليه، وثالثا أن المغرب مقتنع بأن عناصر البوليساريو لن تستمر طويلا في هذه المنطقة بسبب الضغط الذي سيمارس عليها من قبل منظمة الأمم المتحدة وأيضا الدول التي ليس من مصلحتها اندلاع حرب جديدة في المنطقة

5- المتتبع لتطورات الوضع فيما يسمى بالمناطق الصحراوية وراء الجدار الرملي، يجد أن البوليساريو سبق وأن أعلنت عن مخطط إعادة إعمار تلك المناطق، ومعه ارتفع تواجد عناصرها في مناطق تفاريتي وبير لحلو(ما وراء 30 كلمتر شرق الجدار)، ماذا لو قررت بناء مخيمات داخل تراب الصحراء؟

باستثناء المنطقة العازلة التي تحظر دخول عناصر وتجهيزات مسلحة وإطلاق النار، فلا شيء يمنع الأنشطة المدنية لاسيما في مناطق الحظر الكامل أو الحظر المحدود حسب منطوق الاتفاق العسكري رقم (1)، لكن إعمالا لمبدأ حسن النية وهو مبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي فلا يحق لجبهة البوليساريو القيام بمثل هذا التفسير الذي يتناقض مع مقاصد هذا الاتفاق وأيضا مع مقتضيات مسلسل التسوية السلمية، لا سيما وأن المناطق الموجودة شرق وجنوب الجدار الرملي لم تكن مأهولة بالسكان عند إنشائه. وإذا تجرأت البوليساريو وقامت بمثل هذه الخطوة، فبالإضافة إلى خرقها لمبدأ حسن النية، فإن مثل هذا السلوك سيغير جذريا الوضع القائم، وسيدفع المغرب بدون شك إلى اتخاذ كل الإجراءات الممكنة للحيلولة دون ذلك

6- ألا ترى أن المغرب تأخر كثيرا حين لم يسارع إلى إقناع موريتانيا بترسيم الحدود بينهما عقب انسحابها من وادي الذهب لكويرة سنة 1979؟

لا أتصور أن عدم عقد اتفاقية ترسيم الحدود النهائية بين الدولتين يعود إلى المغرب، بل يعود بالدرجة الأولي إلى موريتانيا التي تعترف بما يسمى الجمهورية الصحراوية منذ 1984. كما أن مثل هذا الترسيم للحدود المغربية الموريتانية سيجعل موريتانيا في مواجهة مباشرة مع جبهة البوليساريو والجزائر دون أن تكون لها القدرة على تحمل تداعياتها الكبيرة. لذلك لا أتصور أن موريتانيا تستطيع في هذه الظروف أن تقبل الترسيم النهائي لحدودها مع المغرب بسبب هذا الاعتراف الرسمي بالبوليساريو، والعلاقات المغربية الموريتانية غير المستقرة، وأكثر من هذا فإن مثل هذا الترسيم سيعتبر من قبل الجزائر موجها ضدها. وعليه فمن الصعب تحقيق هذا الهدف دون حل قضية الصحراء نهائيا، أو حدوث تغير جوهري في بنية النظام الإقليمي المغاربي يؤدي إلى رفع الجزائر دعمها عن جبهة البوليساريو. وهذا أمر مستبعد في هذه المرحلة التي يبدو فيها أن الأسلم لكل دول المنطقة الحفاظ على الواقع الراهن، وأي محاولة لخلخلته ستكون لها ردود أفعال من الدول المتضررة

7- حين أعلن المغرب انسحابه في منطقة الكركرات إلى شمال الجدار الرملي، تم الترحيب بالخطوة من قبل عدة أطراف دولية (أمريكا، فرنسا، إسبانيا، الاتحاد الأوربي)، ما دلالة ذلك؟ وما المتوقع منهم في طي الأزمة؟

أثار وجود القوات المسلحة المغربية على مقربة من عناصر البوليساريو حيث لم يكن يفصل بينهما سوى بعض عشرات الأمتار قلق منظمة الأمم المتحدة والدول الكبرى خوفا من اندلاع حرب قد تتجاوز تداعياتها حدود المنطقة، وقد يكون من الصعب التحكم في مسارها، لاسيما وأن العالم منشغل بنزاعات كثيرة تهدد الأمن والسلم الدوليين، وليس من مصلحته أن تنضاف حرب جديدة، لذلك اعتُبر انسحاب المغرب بمثابة نزع فتيل هذه الأزمة. ويكمن هذا الخوف الدولي من اندلاع نزاع مسلح في كون منطقة الساحل والصحراء وشمال إفريقيا أصبحت من المناطقة الأكثر هشاشة أمنيا في العالم، وأصبحت مرتعا لنشاط بعض الجماعات المسلحة العابرة للحدود، وأي نزاع مسلح في المنطقة سيكون فرصة لعناصر هذه الجماعات لتوسيع نشاطها

8- من الناحية الجيوسياسية، يعد استمرار تواجد البوليساريو على الحدود بين المغرب وموريتانيا بمثابة محاولة لقطع الارتباط بينه وبين عمقه الافريقي، فهل هي محاولة من الجزائر لإفشال المشروع الطاقي المعلن عنه بين المغرب ونجيريا؟

إن إنشاء جبهة البوليساريو من قبل النظام الليبي السابق، وحصولها لاحقا على دعم غير مشروط من قبل الجزائر كان من ضمن أهدافه الأساسية إضعاف المغرب بإقامة حاجز جغرافي يفصله عن عمقه الاستراتيجي في إفريقيا التي ارتبط بها تاريخيا بعلاقات اقتصادية وروحية وسياسية واجتماعية كبيرة. ولا شك أن إفشال مشروع المغرب مع نيجيريا قد يكون أحد النتائج غير المباشرة لما تقوم به جبهة البوليساريو من إعادة انتشار عناصرها في المناطق الموجودة جنوب وشرق الجدار، لكنه ليس الهدف الأساسي. وحتى إذا أرادت الجزائر إفشال هذا المشروع، فإنه ليس من مصلحتها أن تقوم بذلك بشكل مباشر لأنها ستصطدم مع الدول التي ينتظر أن يمر بها هذا الأنبوب، لاسيما وأن الجزائر لها علاقات سياسية واقتصادية مع بعض هذه الدول التي يفترض أن تستفيد من هذا المشروع الاقتصادي، لذلك فلا أرى أن صناع القرار في الجزائر يرغبون في الدخول في صدام مباشر مع هذه الدول، بل ستسعى إلى الإبقاء على توتر منخفض في المنطقة قد لا يشجع بعض هذه الدول في الانخراط في هذا المشروع

(18)



Laissez un commentaire